التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أسطورة الرمال "عُبار": كيف كشفت الأقمار الصناعية مدينة "إرَم ذات العماد"

 كيف كشفت الأقمار الصناعية مدينة "إرَم ذات العماد"؟

​ظل لقرون طويلة يُنظر إلى قصة "قوم عاد" ومدينتهم المفقودة "إرَم" على أنها مجرد قصص أسطورية تناقلتها ألسنة البدو في صحاري الجزيرة العربية. ولكن مع مطلع تسعينيات القرن الماضي، اهتزت الأوساط العلمية والأثرية على وقع تقارير صحفية عالمية تعلن عن اكتشاف "أتلانتس الصحراء" أو مدينة "عُبار" المفقودة، لتتحول القصة الدينية إلى حقيقة أثرية ملموسة تحت الرمال.

​1. الموطن الجغرافي ونعمة "العرب السعيد"

​استوطن شعب "عاد" — وهم من العرب القدامى — منطقة الأحقاف، وهي الأرض ذات الكثبان الرملية المرتفعة التي حددها الجغرافيون والمؤرخون في المنطقة الواقعة بين اليمن وسلطنة عُمان عند أطراف الربع الخالي.

  • طريق اللبان والتوابل: أطلق اليونان والرومان على هذه المنطقة اسم "أرابيا فيليكس" أو "العرب السعيد"، نظراً لموقعها الاستراتيجي كمركز لتجارة التوابل بين الهند والشرق، واشتهارها بإنتاج "اللبان" (الصمغ العطري النادر) الذي كان يوازي الذهب في قيمته لدى المجتمعات القديمة.
  • الأصنام الثلاثة: ينقل المؤرخ الطبري في تاريخه أن عاداً انحرفوا عن التوحيد وعبدوا أصناماً ثلاثة مشهورة هي: (صداء، وصمود، والهباء)، قبل أن يُرسل الله إليهم النبي هود عليه السلام ليعيدهم إلى طريق الحق.

​2. رحلة البحث: من خرائط بطليموس إلى قاذفات ناسا

​يعود الفضل الأول في إطلاق مشروع البحث الحديث عن المدينة إلى مخرج الأفلام الوثائقية وعالم الآثار الهاوي نيكولاس كلاب، الذي قادته الصدفة لقراءة كتاب الباحث الإنجليزي بيرترام توماس "أرابيا فيليكس" الصادر عام 1932، حيث ذكر فيه "توماس" أن البدو أروه مسارات قديمة تُفضي إلى مدينة مدفونة تُدعى "عُبار".

​لإثبات هذه النظرية، دمج "كلاب" بين وسيلتين عبقريتين:

  1. خرائط بطليموس (200 م): عثر في مكتبة "هانتينجتون" بكاليفورنيا على خريطة نادرة رسمها الجغرافي اليوناني-المصري الشهير "بطليموس"، توضح بدقة شبكة الطرق والقوافل القديمة المتجهة نحو مدينة مفقودة بالمنطقة.
  2. تكنولوجيا الفضاء (NASA): تقدم بطلب لوكالة الفضاء الأمريكية "ناسا"، ونجح في التقاط صور عبر الأقمار الصناعية للمنطقة. كشفت الصور عن مسارات لقوافل تجارية مدفونة تحت رمال الربع الخالي لم يكن ممكناً رؤيتها بالعين المجردة، وبمطابقتها مع خريطة بطليموس، تم تحديد نقطة الالتقاء بدقة.

​3. إرَم ذات العماد: الأدلة من واقع الحفر

​عندما بدأت بعثات الحفر والتنقيب في الموقع، ظهرت المفاجأة التاريخية التي صدمت المستشرقين وأكدت السبق التاريخي للقرآن الكريم:

  • الأعمدة الضخمة: كشفت الرمال عن بقايا قلعة مثمنة الأضلاع مدعومة بأبراج وأعمدة ضخمة وشاهقة الارتفاع عند الزوايا.
  • شهادة قائد الحفر: صرح الدكتور زارينز (قائد عملية التنقيب) بأن وجود هذه الأعمدة الضخمة كعلامة مميزة للمدينة المكتشفة "عُبار"، يتطابق تماماً مع الوصف القرآني الفريد للمدينة الفريدة: {إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ}.

​4. التحول المناخي وسر الاندثار تحت الرمال

​أثبتت الفحوصات الجيولوجية وصور الرادار أن هذه المنطقة القاحلة اليوم كانت قبل آلاف السنين "جنات وعيون" تكسوها الغابات وتجري فيها الأنهار، وهو ما تؤكده نقوش الحيوانات (كالأسود) المكتشفة في معابد حضرموت القديمة.

  • أنظمة الري المعقدة: كشفت الأقمار الصناعية عن شبكة واسعة جداً من القنوات، والعيون، والسدود القديمة التي كانت قادرة على توفير المياه والزراعة لأكثر من 200 ألف شخص.
  • نهاية حضارة عاد: تكبراً وجحوداً بنعم الله، واجه قوم عاد دعوة نبيهم هود بالسخرية ووصفوه بالكذب. فجاءهم العقاب الرباني عبر آلية طبيعية عنيفة؛ حيث تشير التقارير الجيولوجية (ومنها ما نشرته مجلة A m'interesse الفرنسية) إلى أن المدينة تعرضت لعاصفة رملية غير مسبوقة استمرت أياماً، مما أدى إلى انهيار العيون الجوفية وغمر المدينة بالكامل تحت طبقة رملية مرعبة وصلت سماكتها إلى 12 متراً، لتختفي تماماً عن وجه الأرض.


تعليقات