التخطي إلى المحتوى الرئيسي

التحنيط

كيف تغلّب العقل المصري القديم على الفناء؟

​ظل التحنيط الفرعوني لقرون طويلة لغزاً غامضاً يثير فضول العلماء والمستكشفين. لم يكن التحنيط مجرد طقس ديني عابر، بل كان علماً طبياً وصيدلانياً متكاملاً، استطاع من خلاله المصري القديم فهم طبيعة الجسد البشري، وتطوير كيمياء حيوية معقدة لمنع التحلل والبكتيريا، ليحافظ الجسد على مظهره وتبدو المومياء وكأنها في حالة نوم أبدي.

​1. الشرارة الأولى: كيف اكتشف الفراعنة التحنيط؟

​لم يأتِ علم التحنيط من فراغ، بل بدأ بالملاحظة الذكية للبيئة المحيطة:

  • دفن الصحراء الطبيعي: في العصور البدائية، لاحظ المصريون القدماء أن الجثث التي تُدفن فوق الرمال الحارة والجافة، وتحت أشعة الشمس المباشرة، تجف بسرعة ولا تتحلل.
  • تطوير العلم: من هنا، قرر المصري القديم محاكاة هذه العملية الطبيعية وتطويرها صناعياً داخل المختبرات الملكية (المعروفة بـ "خيمة التطهير")، ليصل بالعملية إلى قمة الاحترافية وبطرق علمية مدروسة وثق بعضها المؤرخ اليوناني "هيرودوت".

​2. خطوات عملية التحنيط الملكي: رحلة الـ 70 يوماً

​كانت عملية التحنيط تستغرق حوالي 70 يوماً وتخضع لخطوات صارمة لضمان عزل الجسد تماماً عن أي مسبب للتعفن:

  • تفريغ الجمجمة والأحشاء: يتم استخراج المخ بعناية فائقة عبر فتحة الأنف باستخدام أداة معدنية معقوفة (صنّارة محماة). بعد ذلك، تُستخرج أحشاء الجسم الرخوة التي تحتوي على البكتيريا المسببة للتحلل، إما عبر فتحة صغيرة في الجانب الأيسر للبطن، أو بحقن زيت الصنوبر عبر فتحة الشرج لإذابتها.
  • استبقاء القلب: كان القلب هو العضو الوحيد الذي يُترك في مكانه داخل الجسد؛ لاعتقادهم أنه مركز الروح، والعاطفة، والوعي، والشاهد على أعمال الإنسان في محكمة الآخرة.
  • التجفيف بملح النطرون: يُملأ تجويف الصدر والبطن بملح النطرون الجاف، ويُغمر الجسد بالكامل فيه لعدة أسابيع لاستخلاص كل ذرة ماء ورطوبة، وتجفيف الأنسجة والدهون تجفيفاً مطلقاً.
  • العزل بالراتنج وشمع العسل: يُطلى الجسد براتنج (صمغ) سائل لسد مسامات البشرة كلياً، ليصبح عازلاً للرطوبة وطارداً للحشرات والأحياء الدقيقة. كما يُستخدم شمع العسل لإغلاق العينين، والأنف، والفم، وشق البطن.
  • الترميم التجميلي: في عصر الدولة الحديثة، ابتكر المحنطون طريقة لرفع كفاءة المومياء؛ حيث كانوا يحقنون الرمال ومواد حشو تحت الجلد بينه وبين العضلات عبر فتحات دقيقة لتظهر الأطراف ممتلئة ولا تبدو متجعدة. كما كانوا يلونون الشفاه والخدود بمستحضرات التجميل لتبدو المومياء حية.
  • الأربطة الكتانة الكثيفة: أخيراً، يُلف الجسد بمئات الأمتار من الأربطة الكتانية المشبعة بالراتنج وشمع العسل كمادة لاصقة، ويتم تلوين الأربطة أحياناً بأكسيد الحديد الأحمر (المغرة الحمراء).

​3. التحنيط في العصر الحديث: علم يُدرّس عالمياً

​اليوم، لم يعد التحنيط سحراً أو لغزاً؛ بل يُنظر إليه كإعجاز علمي في تاريخ الطب والصيدلة:

  • ​يُدرس علم التحنيط ومواده في كبرى الجامعات العالمية مثل جامعة أكسفورد في بريطانيا.
  • ​يُدرج هذا العلم كجزء أساسي في كليات الصيدلة بالجامعات المصرية (مثل القاهرة، عين شمس، حلوان، المنوفية، والدقهلية) ضمن منهج "تاريخ الصيدلة والتصنيع الدوائي"، لبيان كيف سبق أجدادنا العالم في تركيب المواد الكيميائية وحفظ الأنسجة الحيوية

تعليقات