هل يمكن أن تكون الكوارث البيئية والاجتماعية التي أنهت عصر بناء الأهرامات (الدولة القديمة) هي ذاتها "الضربات العشر" التي ذكرتها الكتب السماوية؟
بينما تتجه معظم الآراء نحو عصر الدولة الحديثة لتحديد هوية فرعون الخروج، تبرز فرضية مثيرة تعود بنا إلى نهاية الأسرة السادسة، وتحديداً إلى عهد الملك بيبي الثاني. فما الذي يربط هذا العهد بأحداث الخروج؟ وكيف تحولت "بردية إيبوور" إلى حجر الزاوية في هذا اللغز؟
1. الملك بيبي الثاني: سقوط دراماتيكي بعد أطول حكم في التاريخ
اعتلى الملك بيبي الثاني العرش وهو طفل صغير، واستمر حكمه لما يقرب من 94 عاماً. لكن هذا الحكم الأسطوري في طوله انتهى بانهيار تام وشامل للسلطة المركزية في مصر، لتتدحرج البلاد إلى ما يُعرف بـ "عصر الانتقال الأول" الذي اتسم بالفوضى والمجاعات.
ويرى مؤيدو هذه النظرية أن هذا الانهيار المفاجئ والدراماتيكي، وغياب وريث قوي يلم شمل الأسرة السادسة بعد وفاته، يتسق تماماً مع فرضية غرق الفرعون وتشتت جيشه، مما ترك البلاد بلا قيادة.
2. بردية إيبوور: "تقرير شاهد عيان" أم مجرد أدب مصري؟
تعتبر بردية إيبوور (Admonitions of Ipuwer) الدليل الدامغ الذي يرتكز عليه أصحاب هذه الفرضية. في هذه البردية، يصف الحكيم المصري "إيبوور" حالة الفوضى العارمة التي ضربت البلاد بوصف يتطابق بشكل مذهل مع "الضربات العشر":
- النهر يتحول إلى دم: تذكر البردية نصاً: "النهر صار دماً.. والناس يعافون شربه، ويتحسرون من العطش".
- موت الأبناء والبلاد تئن: يصف الحكيم الكارثة قائلاً: "الأنين في كل مكان.. وأبناء الأمراء يُقذف بهم ضد الحوائط".
- انقلاب الموازين والطبقات: "الذهب واللؤلؤ والخدم صاروا من نصيب الفقراء والمستضعفين، بينما النبلاء في عوز وشقاء".
بالنسبة للكثير من الباحثين، هذا النص ليس مجرد أدب جنائزي أو مجازي، بل هو توثيق حقيقي وعبرة سجلها شاهد عيان على الضربات التي سبقت الخروج.
3. معضلة الجغرافيا والتأريخ الزمني
رغم قوة الأوصاف، تواجه النظرية تحديين رئيسيين حاول العلماء الالتفاف عليهما:
أولاً: الموقع الجغرافي (نقطة قوة)
كان مركز حكم الدولة القديمة في مدينة "منف"، وهي قريبة جداً جغرافياً من منطقة "جوشين" (محافظة الشرقية الحالية في الدلتا)، وهي المنطقة التي تؤكد المتون التاريخية أن بني إسرائيل استوطنوها، مما يسهل تفسير اللقاءات السياسية والتخبط الإداري في أواخر عهد الملك.
ثانياً: الفارق الزمني (المعضلة الكبرى)
حكم بيبي الثاني تقريباً بين عامي (2278 – 2184 ق.م)، بينما التأريخ التقليدي للخروج يضعه حول (1446 ق.م) أو (1250 ق.م). وهنا يجادل باحثون مثل "إيمانويل فيليكوفسكي" بضرورة مراجعة التسلسل الزمني الفرعوني، مدعين أن هناك "سنوات زائدة" في الحسابات التقليدية، وإذا عُدّلت، سيتطابق زمن بيبي الثاني تماماً مع زمن النبي موسى عليه السلام.
خلاصة التحقيق:
تظل فرضية بيبي الثاني وبردية إيبوور المقاربة الأكثر جاذبية لمن يبحث عن رابط مادي وبيئي مباشر للضربات الكبرى. ورغم أنها تصنف "كنظرية بديلة" تنتظر كشفاً أثرياً حاسماً، إلا أنها تفتح آفاقاً مدهشة لإعادة قراءة التاريخ

تعليقات
إرسال تعليق
اجعل تعليقك فى خدمة العلم والنقاش المحترم الهادف وشكرا لك مقدما ايها الزائر المثقف المستنير الباحث عن الحضارات